محمد هادي معرفة
538
شبهات وردود حول القرآن الكريم
المدن والقرى ، فينالهم من أذاه أكثر ممّا ينالون من نفعه . فساقتهم الحاجة إلى استنباط الحيلة في اختزان المياه ورفعه إلى مستوى الهضبات وتوزيعه على قدر الحاجة . فاختار السبأيّون المضيق بين جبلي « بلق » وبنوا في عرضه سورا عظيما عرف بسدّ مأرب أو سدّ العرم ، لريّ ما يجاور مدينتهم ( مأرب ) من السهول والهضبات . والجبلان المذكوران ، بعد أن يتقاربا عند مضيق بلق ، ينفرجان ويتّسع الوادي بينهما ، وعلى ثلاث ساعات منهما نحو الشمال الشرقي من مدينة مأرب أو سبأ ، في الجانب الغربي أو الأيسر من وادي أذنة . فإذا جرى السيل حاذى بابها الشرقي ، وبين المضيق والمدينة متّسع من الأرض تبلغ مساحة ما يحيط به من سفوح الجبال نحو ( 300 ) ميل مربّع ، كانت جرداء قاحلة ، فأصبحت بعد تدبير وإلجام المياه بالسدّ ، غياضا وبساتين على سفحي الجبلين ، وهي المعبّر عنها بالجنّتين بالشمال واليمين أو بالجنّة اليمنى والجنّة اليسرى ، على ما جاءت الإشارة إليه في القرآن . والسدّ المشار إليه عبارة عن حائط ضخم أقاموه في عرض الوادي ، على نحو ( 150 ) ذراعا نحو الشمال الشرقي من المضيق ، سمّوه « العرم » . وهو سدّ أصمّ طوله من الشرق إلى الغرب نحو ( 800 ) ذراع ، وعلوه بضعة عشر ذراعا ، وعرضه ( 150 ) ذراعا ، لا يزال ثلثه الغربي أو الأيمن باقيا إلى اليوم . ويظهر ممّا شاهدوه في جزئه الباقي أنّه مبنيّ من التراب والحجارة ينتهي أعلاه بسطحين مائلين على زاوية منفرجة ، تكسوهما طبقة من الحصى كالرصيف يمنع انجراف التراب عند تدفّق المياه . فالعرم يقف في طريق السيل كالجبل المستعرض ويصدّه عن الجري ، فتجتمع مياهه وترتفع ارتفاعا عاليا يفي بريّ المرتفعات . وقد جعلوا طرفي السدّ عند الجبلين أبنية من حجارة ضخمة متينة ، فيها منافذ ينصرف منها الماء إلى إحدى الجنّتين اليمنى أو اليسرى . فأنشئوا عند قاعدة الجبل الأيمن بناءين بشكل المخروط المقطوع ، علوّ كلّ منهما